Yahoo!

دعوات الى صوت اصيل

كتبها  التباوي ، في 31 يوليو 2007 الساعة: 04:47 ص

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كان صوت اصالة نصري يفتح جروحاً عميقة في الفؤاد و كانت صورة عشيقتي تدور في رأسي و علامات الابتعاد عن الدنيا تخترق قلبي المتفحمhلتصل الى عذق الدكرى فأبدأ في الاحساس بالضياع .. فيما انا اطالع بعنيي الحزينتين اوراق شجرة النم التي تبدو مبللة في غمرة التماعاتها الرائعة .

صوت اصالة الشبح الحقيقي في عالمي المتهالك انه يحفظ كيان عقلي من الانتشار و الاختفاء في سورة الملل و الجنون .

 

صوت اصالة يوقض في

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

خريف البطريريك رواية لماركيز

كتبها  التباوي ، في 31 يوليو 2007 الساعة: 04:47 ص

 

خريف البطريق
ملحمة أميركا اللاتينية والعالم الثالث

المترجم : فضل الأمين
دار العودة ببيروت.

الفصل الأول : بلا



أثناء عطلة نهاية الأسبوع اقتحمت النسور قصر الرئاسة ، متسللة عبر كوى فتحتها بمناقيرها في القضبان الحديدية المشبكة فوق الشرفة ، فحركت برفيف أجنحتها زمان القصر الراكد. ومع طلوع فجر يوم الإثنين نفضت المدينة عن عينيها سبات عدة قرون ، واستيقظت على نفحة رقيقة دافئة تنثال من بقايا ذكرى ذلك الكبير الذي قضى وتلك الأبهة التي بادت.
حينئذ فقط ، تجاسرنا على دخول القصر ، وخلافا لتوقعات معظم الذين رسموا الخطة ، لم نكن بحاجة إلى دك الجدران المكينة الآخذة بالتفتت ولا إلى تحطيم البوابة برؤوس الثيران المكدونة ، خلافا لمقترحات آخرين . إذ انخلعت المصاريع المصفحة الثقيلة بدفعة من أول الداخلين ، وكانت من قبل قد استعصت على منجنيق "وليم دامبيه" خلال عصر البطولات الغابرة.
في الداخل خيل إلينا أننا عبرنا إلى زمن آخر : فالهواء يبدو أقل كثافة ، والصمت أكثر رسوخا ، في الردهات الدارسة لهذا المعقل الحكومي الرحب. وبدت الأشياء غائمة الصورة من جراء سوء الإضاءة .. وعبر الفناء الخارجي ، حيث تشقق البلاط عن أعشاب طفيلية ، رأينا مربض الحراس الذين هربوا، يغرق في الفوضى ، وشاهدنا أسحلتهم مهجورة في الخزائن ، وعلى المائدة الخشنة الملمس الفارعة الطول ، أطباق ما زال فيها بقية من طعام غداء يوم الأحد ، الذي قوطع بسبب موجة الذعر الداهمة . وتحت ذؤابة ضوء باهت رأينا مكتب الخدمات والشكاوى ، وفيه نبتت زنابق شاحبة وفطريات بين عرائض الالتماس التي لم تنجز دراستها بعد ، بسبب روتين كان أبطأ من دبيب الحياة في الباب ، وفي وسط الفناء ، شاهدنا مذبح المعمودية ، الذي شهد تعميد خمسة أجيال متعاقبة قرابين نزوات عرفية . أما في قاع الفناء فقد رأينا إسطبل حكام الولايات ، وقد تحول إلى مرآب للعربات ، وبين أزهار الكاميليا والفراشات المحومة ، شاهدنا سيارة ترقى إلى عصر الصخب المدوي ، وعربة ترقى إلى عصر تفشي وباء الطاعون ، ومركبة عام ظهور النجم المذنب ، وعربة نقل الموتى التي وضعت في السير على إثر تطور بنية قوانين القمع ، وسيارة "الليموزين" المجهزة بمقصورة للمنامة ، والعائدة إلى القرن الأول للسلام ، وكانت كل هذه الأياء بحالة جيدة ومطلية بألوان العلم الوطني ، وقد نسج فوقها العنكبوت شباكه الغبراء.
وفي الفناء الثاني ، وخلف أسلاك معدنية مشبكة ، كان قمر أغبر يضيء شتلات الورد التي كان يرقد في ظلالها المصابون بالجذام في زمان عز القصر، حتى إذا هجرها الجميع ولم يعتن بها أحد ، راحت تتكاثر ، فعبقت رائحتها في كل فجوة خالية في الجو ، واختلطت برائحة نتنة وافدة من طرف الحديقة المقابل.
وبتنانة قنّ الدجاج، ورائحة روث الأبقار ، وتخمر بولها وبول الجنود الذين استعمروا القلعة قبل أن تتحول إلى اسطبل لتربية الأبقار الحلوب.
وفيما نحن نشق طريقنا عبر دغل كثيف ، كنا نشاهد شرفات الرواق المعقودة والمغطاة بالقرنفل ، وأوراق "الاستر وملياس" . كما شاهدنا مقاصير الجواري تغطيها نباتات معرشة ، ولما رأينا قطع الأثاث المتنوعة وآلات الخياطة العديدة ، أدركنا أن أكثر من ألف محظية قد عشن في هذا المكان مع العديد من أطفالهن المجهولي الآباء. وفي المطابخ آثار فوضى العراك الذي كان ينشب بينهن ، وفي سطول ، تحت الشمس ، غسيل متعفن . وكانت فتحة مرحاض الجنول والمحظيات المشترك مفتوحة بلا غطاء.
وشاهدنا في المؤخرة صفصافا باليا استقدم بحرا من آسيا الصغرى ، شجرا كاملا بجذوره وترتبه ، وجذوعه ، وأوراقه المغطاة برذاذ الندى ، في أحواض من الزجاج .. وخلف الصفصاف تبدى مركز الموظفين المدنيين الحرب مغلفا بمسحة من الكآبة . وعبر أطر نوافذه الملثمة كانت النسور تواصل التسل.
لم نكن بحاجة إلى خلع البوابة ، كما كان مقررا ، ذلك أنها بدت قابلة للفتح بمجرد تعرضها لضغط الصوت! مما سهل صعودنا إلى الطابق الأول عبر درج حجري مفروش بسجادة استقدمت من دار الأوبرا، بدت رثة بالية لفرط ما داستها الأبقار باظلافها ، وفي بهو يقول إلى غرف النوم ، شاهدنا غرف المكاتب ، وصالات الاستقبال الرسمية خاوية إلا من الأبقار ، تذرعها جيئة وذهابا ، وتأكل مخمل الستائر وتجتر ساتان الأرائك دون مبالاة . كما شاهدنا لوحات رسمت في زمن البطولات ، تمثل قديسين ومحاربين ، ملقاة بين حطام الأثاث وبقع لزجة من روث البقر . ورأينا صالة الطعام أتت عليها الأبقار وطاولات الزهر والدومينو محطمة ، حتى مائدة البليار نهشتها الأبقار! ورأينا المراح مهجورة في أحد الأركان ، وهي التي طالما وفرت لسكان هذا المكان مزايا دولاب الهواء ذي الأضلاع الأربعة كي يكون بمقدورهم سلوان البحر ، وأبصرنا أقفاص الطيور معلقة هنا وهناك وكل منها مغطى بقماش "الكرتون" الكتاني الذي كان ، لليال خلت من ليالي الأسبوع الفائت ، يهدهد بفيئه نوم الطيور . وعبر النوافذ التي لا حصر لعددها رأينا في الخارج وحش المدينة مستسلما لسكينة يوم الإثنين التاريخي ، التي بدأت تخيم عليه . ووراء المدينة أبصرنا رمادا قمري اللون بذرات كبيرة انثالت عن فوهات البراكين الخامدة التي تحف بالسهل المترامي إلى ما لا نهاية ، حيث أنشئت بحيرة من قبل ، في هذه البقعة الحصينة ، وكانت محظورة لا يرتادها إلى قلة من المحظوظين ، من أصحاب الامتيازات.
وفجأة، شممنا رائحة أجساد النسور وهبت عليها ثانية نفحة من غريزة التوثب المعهودة فيها ، وقادنا رفيف أجنحتها المنفوشة إلى قاعة المؤتمرات ، حيث جيف الأبقار ، وقد نخرتها الديدان ، فانكشفت عرواتها وواجهتنا بآلاف الصور تتكرر عبر المرايا الجدارية الكبيرة.
**
دفعنا مصراعي باب جانبي فافتحا على مكتب سري ، وهناك رأيناه ، هو، ببدلة من الكتان منزوعة النياشين ، ومنتعلا جزمته ذات المهماز الذهبي على كاحل ساقه اليسرى . بدا وكأنه أكبر المخلوقات المعمرة ، في اليابسة والماء ، سنا . كان ممددا على بلاط أرض ذلك المكتب متوسدا ذراعه ، تماما كما كان ينام كل ليلة من ليالي عمره المديد ، كطاغية أوحد . قلبنا الجثة وتفرسنا في الوجه ، فأدركنا استحالة التعرف إلى سحنته . على الرغم من أن النسور لم تكن قد نقرت وجهه وعينيه بعد ، ذلك أنه لم يسبق لأحد منا أن رآه من قبل . ولئن كانت صورته قد رسمت جانبية على وجهي العملة ، وعلى الطوابع البريدية ، وشهادات الحجر الصحي ، والأحزمة الواقية من الفتاق ، وكان تمثاله النصفي الذي يتقاطع على صدره العلم الوطني والتنين الذي اتخذ رمزا للوطن ، معروضها في كل مكان وعلى امتداد ساعات النهار والليل ، فإننا كنا متيقنين من أن الصورة والتمثال ليسا سوى نسخ طبق الأصل عن سحنته كما كانت في زمن النجم المذنب ، عندما كان آباؤنا يعرفون حقيقته نقلا عن آبائهم الذين نقلوا بدورهم عن آبائهم ، فاعتقدنا منذ ذلك الحين أنه كائن حي في قصر السلطة ، وبنينا اعتقادنا على ما نقل إلينا بالتواتر من أن واحدا من الناس شاهد المصباح البعيد المدى مضاءً ذات ليلة معلنا عن حفلة تقام في القصر ، أو على رواية يزعم راويها أنه رأى عبر هودج عربة الرئاسة المزخرف ، العينين الكئيبتين ، والشفتين الشاحبتين ، وأبصر اليد البلهاء تلوح راسمة إشارة التحية في الهواء. ونقل إلينا أنه في ذات يوم من أيام الآحاد الموغلة في التاريخ ، جيء بالأعمى الجوال إلى حضرته فألقى عليه أبياتا للشاعر المنسي "روبين داريو" مقابل "خمسة سانتافو" وعاد بعدها سعيدا بقطعة النقود ، التي كسبها مقابل الإنشاد في حضرة الجنرال الذي لم يبصره حتما ، لا لأنها كان أعمى فحسب ، بل لأن أحدا لم يلمح له وجها منذ سنة الكوليرا.. بيد أن الاعتقاد السائد مجمع على أنه كان يعيش فعلا في القصر . ذلك لأن الزمان كان يتواصل ، وكانت الحياة تتواصل ، والبريد يصل بانتظام ، وكانت جوقة البلدية تثابر كل يوم سبت على عزف مقطوعات الفالس الشعبية تحت أشجار النخيل المغبرة ، على ضوء القناديل الخافتة في ميدان العرض . وكلما مات موسيقي في الجوقة كان يحل محله آخر من الموسيقيين المحترفين .
وفي الأعوام الأخيرة لم نعد نسمع أصواتا بشرية ولا تغريد طيور في الداخل ، وأوصدت البوابات المصفحة طويلا ، غير أننا كنا على يقين من أن ثمة أحدا ما في البيت الوطني ، إذ كنا نبصر في الليل أضواء تشبه أنوار المنارة البحرية تتلألأ من خلال النوافذ المطلة على الميناء ، وأفاد الذين تجاسروا واقتربوا من البيت ، أنهم سمعوا جلبة أظلاف وهمهمة حيوان كبير خلف الجدران الحصينة ! ولمحنا ذات مساء من شهر كانون الثاني ( يناير ) بقرة تحدق في الغسق من على شرفة القصر، تصوروا : بقرة في الشرفة الوطنية !! يا للقذارة! ياله من أمر فظيع ! وغرقنا في التأويلات.. أجل كيف تستطيع بقرة أن تعبر إلى شرفة ؟ وكلنا يعرف أن الأبقار لا تتسلق السلالم الحجرية، فكيف إذا كانت مفروشة بالسجاد! وكدنا بعد ذلك نكذب عيوننا، وملنا إلى الاعتقاد بأننا كنا في حلم حينما خيل إلينا أن بقرة تخطر على شرفة القصر ، حيث لم يشاهد من قبل مخلوق ، ولم يكن متوقعا أن يشاهد مخلوق إلى الأبد ، لولا أن حل فجر يوم الجمعة من الأسبوع الفائت ، فبدأت طلائع النسور تصل آتية من أوكارها في جدران مأوى العجزة المعوزين حيث كانت ترقد في سبات عميق منذ الأزل . وبعضها كان يأتي من ظلمات المأوى ، فتصل سربا بعد آخر تحلق فوق بحر غبار يغطي سماء السهل المترامي هناك،حيث أنشئت البحيرة ذات يوم وظلت تلك الأسراب تحوم طوال يوم كامل ، في دوران بطيء حول بيت السلطة ، إلى أن أصدر فيها ملك للنسور ، متوج بإكليل وعرف أحمر ، أمره السري ، فسمعت قرقعة زجاج يتحطم ، وصرير ريح ذلك الميت الكبير المقام!
دخول النسور وخروجها من النوافذ ، يعني أن البيت فقد منعته ونفوذه فشجعنا ذلك على أن ندخله بدورنا ، فرأينا أطلال العز البائد في المعقل المقفر ، وفي الجسد المسجى ، والكفين الناعمتين ، ككفي امرأة يزينهما خاتم السلطان في البنصر .. كان جسده يتفتق عن بثور صغيرة ، وعن طفيليات تشبه الحيوانات التي تعيش في أعماق البحر ، تتركز تحت الإبطين فوفي ثنايا الفخذين. وضمادة من القطن تلف فتقا في جراب خصيتيه ، اللتين لم تنهشهما النسور ، رغم أنهما متورمتان ككليتي ثور.
حتى هذه اللحظة لم تؤاتنا الجرأة على أن نجزم بحقيقة موته. إذ أنها المرة الثانية التي يشاهد فيها على هذه الصورة في مكتبه ، مرتديا ملابسه ومسجى كميت ، ثم يتبين أنه يغط في النوم ، محققا مصداقية نبوءة العرافين الذين كشفوا طالعه في مياه جفناتهم الراكدة ، ولما كانت أول مرة اكتشف فيها على هذه الصورة في مطلع خريفه ، وكان الشعب لمايزل آنذاك ينبض بقدر من الحياة كاف لجعله يترقب الموت يأتيه ، حتى في مخدعه . بيد أنه واصل الحكم كما لو أنه يعيش أبدا.
لم يكن قصره شبيها بقصور الرؤساء ، بل كان أشبه ما يكون بسوق مكتظ بالجنود والوصفاء يأتونه حفاة بسلال الخضار وصناديق الطيور الداجنة ، يملؤون بها الأروقة . وبنساء ثرثارات يأتين بأطفالهن الجياع ينامون على وجوههم فوق جرجات القصر حالمين بالإحسان . وكان على رواد القصر أيضا تحاشي المياه الوسخة تسكب من أواني الزهور الليلية عندما تفرغها جواري السلطان ويملأنها ثانية بزهور النهار. وهن يرددن أغاني الحب الموهوم على إيقاع عيدان ينفضن بها ، فقط السجاد من على شرفاتهن..كل ذلك كان يختلط في القصر بثرثرة الموظفين الذين جلسوا ينتظرون أن تأتي "الدجاجات" لتضع بيضها في أدراج مكاتبهم ، وبتأوهات الجنود والعاهرات يمارسون الحب في المراحيض . وبجلبة الطيور ،و عراك الكلاب الضالة في قاعة المؤتمرات . ولم يكن بمقدور أحد أن يعرف سببا كافيا لوجوده أو لوجود سواه، في هذا القصر المشرع لهذه الفوضى ، التي يستحيل معها على الوافد أن يحدد مركز القرار .
وكان سيد القصر لا يكتفي بالمشاركة في هذا الكرنفال الحزين فحسب ، بل كان يحرص عليه ويقوده : فما أن تضاء مصابيح غرفة نومه ، حتى يقرع نفير الحرس الرئاسي معلنا نوبة الفجر قبل صياح الديكة ، فتستنفر ثكنة "ديل كوندي" المجاورة استعدادا للنهار الجديد ، ومنها تعطى إشارة بدء النهار إلى قاعدة "سان خيرونيمو" ، التي تعطي بدورها الإشارة إلى قلعة الميناء ،التي تقرع نفيرها تكرارا ست مرات متعاقبة فتستيقظ المدينة أولا ، ثم البلاد بأسرها ، بينما يتباطأ هو ، في سريره يراقب خصيتيه المتورمتين ، محاولا أ، يوقف الطنين المدوي في أذنيه ، ليراقب بعد ذلك انعكاس أنوار البواخر في صفحة البحر الفيروزية التي لا تهدأ على حال ، والتي طالما ألهمت الشعراء قصائدهم الرومانسية في عصور الرخاء .
وكان يحدد بنفسه كميات الحليب المخصصة للجنود في ثكناتهم ، فتنقلها إليهم عربات الرئاسة الثلاث . ثم يتناول قهوته مع فطيرة بالبيض ، دون أ، يفكر إلى أين ستقوده نزوات اليوم الجديد ، بل يكتفي بالإصغاء إلى ثرثرة الخد وأهل المنزل ، فيبادلهم ثرثرتهم ، ويثني على تملقهم وهو يعرف أنهم يكذبون ، وقبيل التاسعة كان يدلف إلى الحمام العابق بالأبخرة المضادة للفطريات الباكتيرية ، فيستقر طويلا في قاع حوض من الصوان ، أنشئ في باحة الحمام المظلل بأشجار اللوز . وبعيد الحادية عشرة فقط ، كان يتهيأ لمواجهة المصادفات ، بعد أن يكون قد سيطر على انفعالاته الصباحية.
أما في الماضي ، وفي مرحلة احتلال المارينز للبلاد ، فقد كان ينزوي في مكتبه حيث يقرر مصير الوطن بالتنسيق مع قائد قوة الإنزال البحرية. ويوقع المراسيم والتعاميم بصما بإبهام يده اليمنى . لأنه لم يكن يحسن القراءة ولا الكتابة .. وعندما ذهب المارينز وخلفوه وحيدا ، في مواجهة أعباء حكم الوطن ، كف عن تبرمه المعتاد بالقوانين المكتوبة التي يعتبرها مجرد سخافات ، وراح يحكم بنفسه . وحل صوته الأجش محل القانون ، في كل مكان وزمان . وبدا مهووسا بالتفاصيل الثانوية ، حريصا على المال بالقياس إلى من هم في عمره ، متذمرا من العميان والمصابين بالجذام والمشلولين الذين كانوا يحتضرون على بابه ضارعين يطلبون ملح البرء على يديه ، ومنزعجا من السياسيين المتعلمين يأتونه متملقين ويبايعونه قائدا أعلى للزلازل وللكسوف والخسوف ، والسنين الكبيسة ، وكل مفارقات الطبيعة الأخرى ، فيجر أذياله في أنحاء القصر مثل فيه يخبط في الثلج ، ويحل قضايا الدولة بمثل البساطة التي يحل بها مشاكل الخدم ، عندما ينهرهم آمرا : "انزعوا هذا الباب من هنا." فيرفع الباب.. "ركّبوه هنا" فيركّب.. "أرجعوا عقارب ساعة الحائط إلى الوراء، عليها أن لا تعلن منتصف النهار عند الساعة الثانية عشرة ، بل عند الثانية ، كي تبدو الحياة أطول" وتؤخّر عقارب الساعة للتو ودون تردد.. فقط ساعة الموت لا تتأخر ، وساعة القيلولة حيث كان يلوذ بفيء محظياته ، ويقع اختياره على إحداهن ، فيثب فوقها دون أن يقفل الباب عليهما ، فلا يعريها ولا يتعرى ، ويتناهى إلى الجميع لهاث الحرام الصارخ وهرير المهماز الذهبي ، وعويل كعويل جرو صغير ، وذعر المحظية التي كانت تتشاغل عن مضاجعته محاولة صرف نظر أطفالها المستائين فتصرخ فيهم : "اغربوا عني ، اذهبوا والعبوا في البهو ، هذه ليست فرجة للأطفال"، ثم يخفت الصراخ ، كما لو أن جناحي ملاك رفرفا في سماء الوطن ، ويتوقف سير الحياة ، والجميع في ذهول ، كل يضع سبابته على شفتيه ، وقد حبس أنفاسه ، ويخيم الصمت ، فيطلق الجنرال طلقته . بيد أن اللواتي كن يعرفن حقيقته لم يكن يتوقعن خيرا من هدنة اللحظة المهيبة ، فالرجل كان دوما مزدوج الشخصية، ففي حين يرى في صالة الجلوس يلعب الدومينو عند الساعة السابعة مساء ، يشاهد ، في الوقت نفسه. يوقد النار في روث البقر المجفف ليطرد البرغش عن قاعة المؤتمرات.
لم يكن أحد في القصر يمني النفس بالنجاة من أوامره ونواهيه المرتجلة ،ما دامت نوافذ غرفته لم تطفأ بعد ، وما لم يسمع الجميع قرقعة الرتاجات الثلاثة ، وصرير المزاليج الثلاثة ، وجلبة الدعامات الثلاث ، التي كانت تحصّن باب حجرة النوم ، وما ل يسمعوا ارتطام جسده المنهوك عندما ينهار على أرض الحجرة ، وتنفسه المحموم كتنفس طفل متوتر ، يزداد ارتفاعا كلما ارتفع المد البحري وتطاول حتى اللحظة التي تحجب فيها قيثارات الرياح الليلية طنين الصراصير في طبلتي أذنيه ، وتجتاح موجة الماء المزبد الأزقة العتيقة ، في مدينة حكام الولايات والمغامرين والقراصنة ، وتتدفق طوفانا في البيت السلطاني ، في ذات يوم سبت من شهر آب (أغسطس) . حيث ارتطمت الحيوانات البحرية بالمرايا التي عكست صورها أضخم مما هي عليه في الواقع ، وسقطت قاعة المؤتمرات تحت رحمة أسماك القرش الهائجة ، فجرفته المياه إلى أعلى ارتفاع عرفته محيطات ما قبل التاريخ ، فطفا على وجهه فوق الأرض ، وفوق السماء ، وفوق الزمان ، ووحده ظل يطفو فوق سطح مياه أحلامه القمرية ، أحلام غريق مستوحش ، ببزة جندي كتانية ، وجزمة جلدية ذات مهماز ذهبي . وبساعده الأيمن الذي ثناه تحت رأسه كالوسادة.
***
عمره الذي تزامن مع السنوات العجاف التي سبقت ميتته الأولى ، وصعوده إلى الهاوية ، والنشوة التي كانت تجتاحه كلما كان يحتضر تحت وطأة جراح الحب الحرام لم تكن كلها مزايا طبع عليها ، كما قال أعوانه المتملقون ، كما أنها لم تكن سوى مجرد هلوسة ، كما أكد خصومه المعارضون . كلا ، بل إنه كان ، بكل بساطة ، محظوظا بحاشيته ، لا سيما الخدمات التي لا يخالطها غش ، ، والتي وفرها بأمانة الكلب الوفي "باتريسو أرغونيس" صنوه التوأم ، الذي قاده إليه الحظ مرة دون عناء ، عندما جاء بعض عيونه يقولون : "سيدي الجنرال ، رأينا عربة حاكم زائفة،تجوب مزارع الهنود ، وتعقد باسمك صفقات كبيرة ، وفي هودجها رأينا العينين الغائرتين في الصمت الجنائزي ، والشفتين الشاحبتين ، والكف التي تشبه كف عروس مجلوّة ، كانت في قفاز من الساتان ترمي الملح حفنة بعد أخرى إلى المرضى الراكعين على الأرصفة. ورأينا ضابطين زائفين يحرسان العربة على فرسيهما ، ويجمعان الذهب ثمن نعمة مواكبة السلطان .. تصور سيدي الجنرال ، أي انتهاك للمقدسات!!".
لم يصدر أمره بدق عنق هذا الحاكم المزيف ، بل اكتفى بأن طلب أن يأتوا به إليه خفية ، وأن يغطوا رأسه بكيس من القنب كي لا يلتبس وجهه على الناس .. وكم شعر بالهوان عندما شاهد صورته أمامه . كان نظيره في كل شيء : "هذا الرجل ليس إلا أنا " قال ، وقذف في وجهه شتيمة . وبالفعل ، فإن الشبه كان قويا إلى حد الالتباس ، باستثناء نبرة الاستبداد التي ميزت صوته ، ولم ينجح الآخر في تقمصها . وكذلك ، فإن خطوط كف الرجل الآخر بدت أكثر وضوحا ، فتقوس خط الحياة دون حواجز وصولا إلى قاعدة الإبهام . لذا فإنه لم يأمره بإعدامه رميا بالرصاص ، لا لأنه قرر أن يحتفظ به لينصبه نائبا رسميا عنه ، فهذه الفكرة لم تخطر له آنذاك ، بل مخافة أن تكون حظوظ مستقبله مرسومة على كف المحتال . لكنه نجا من ست محاولات قتل ، وخرج منها سالما فتفاءل به ، وقلده ذكل المنصب ، فأتقن "باتريسوا أراغونيس" لعب الدور ، وتعلم سريعا عادة جر قدميه المفلطحتين ، وصار يسمع طنينا في أذنيه، وموسيقى في خصيتيه تصدح في أصابيح الشتاء. كما تعلم خلع وتثبيت المهماز الذهبي في كاحله ، معرضا عن خلع الجزمة الجلدية ، إلا عند مواجهة لحظات الهمهمة في مخادع النسوة ، حيث يكون خلع تلك الجزمة وانتعالها بمثابة كسب للوقت.
تبا لمجالس أولئك الحدادين الفلامنديين ، ما أمر تلك الأيام .. لكن ما له وللماضي ، فالصبي الثرثار الذي كان ينفخ الزجاج عند أبيه في مصنع القناني ، أضحى رجلا متعقلا حذرا لا يهتم بما يقوله سيده الحاكم ، بل يسبر حدقتي عينه متقصيا ما لم يقله بعد ، ولا يجيب على سؤاله قبل أن يسأله بدوره : "وأنت ما رأيك ؟" والرجل الخامل المرح الذي كان يتعاطى ترويج التعاويذ ، أصبح الآن نشيطا لا ينهكه التعب ، ومشّاء لا يكل ّ ، وبخيلا طماعا ، يمارس الحب على عجل ، وينام بكامل ملابسه ، ممددا فوق بطنه على الأرض ، دون وسادة . وتخلى عن طموح الطفولة ، وعن ميوله التي اكتسبها بالوراثة ، وعن ذكريات زمان نافخ القناني الصغير ، كان عليه أن يواجه مهام السلطة الخطيرة : يضع حجر الأساس للمشاريع الوهمية ، يقص شرائط تدشين المشاريع المشبوهة . ويقاسي الأحلام المبددة والآهات المكبوتة ، وتساوره الأوهام عندما يتوج ملكات الجمال الأجنبيات اللواتي يستعصين عليه ، فلا يتمكن حتى من لمسهن ولو لمسة عابرة . وهكذا فإنه ارتضى لنفسه قدرا غير قدره ، لا طمعا ولا اقتناعا ، بل ليدفع عنه تهمة محتال ، يحمي حياته ، مقابل راتب شهري مدى الحياة ، مقداره خمسون بيزو وليحظى بالعيش مثل الحكام ، دون أن يتحمل وزر هذا المنصب ، فهل يرغب امرؤ بأفضل من ذلك؟
في ليلة هاجت فيها الرياح ، بلغ انصهار الشخصيتين ذروته ، حين فاجأ الجنرال نائبه منصرفا إلى تأمل البحر متنهدا وسط أزهار الياسمين الشذية ، فسأله ، وقد بدا عليه قلق غير مصطنع ، إن كان أحد قد دسّ في طعامه عشب "الأقونيط" السام ، فجنح به السم إلى هذه الحال. فأجابه "باتريسو أراغونيس" : لا يا سيدي الجنرال ، إنه سم أشد فتكا ، وكان في ذلك اليوم قد توّج ملكة جمال ، ورقص معها على أنغام الفالس ، ولم يعد بمقدوره أن يخرج من دوامة هذه الذكرى ، إذ كانت أجمل فتيات العالم ، "فتاة لم تخلق إلا للرجال العظام ، سيدي الجنرال ، آه لو أنك رأيتها" . لكن الجنرال أجاب وهو يرسل زفرة قوية : "تبا ، هذه الأمور تحدث للرجال المحرومين من النساء"، ثم أشار عليه أن يخطفها ، مثلما خطفت الساحرات من قبل محظياته ، : " سوف يثبتها أربعة جنود على السرير ، ويمسكونها من يديها ورجليها بينما أنت تطعنها به ، فيخترقها في العمق . إن معظمهن يتلوّين منزعجات في البداية ، ثم لا يلبثن أن يتوسّلن إليك : لا تدعني يا سيدي الجنرال ، لا تدعني كتفاحة مهملة .." .
لكن "باتريسو" كان يطمح إلى أكثر من ذلك ، كان يرغب أن يكون محبوبا منها "لأنها من تلك النسوة اللواتي لا ينفع معهن الكلام المعسول ، سيدي الجنرال ، سترى ما يعجبك حينما تراها يا سيدي الجنرال ". وبدوره رد الجنرال واصفا له ، كوسيلة للسلوان ، تلك الدهاليز المظلمة المؤدية إلى مقاصير محظياته وأمره أن يضاجعهن بعجلة مثلما يفعل هو ، مرتديا كل ثيابه .. وهكذا انقاد "باتريسو أراغونيس " إلى مستنقع الحب الزائف. لتهدئة رغباته الجامحة ، وبلغ به الأمر حد تناسي قواعد الإعارة ، فلم يتورع عن المجامعة بهدف التسلية أحيانا ، وكان في مخادع النساء يكتشف أسرارا جديدة ، ويعثر بالصدفة على مجوهرات مسروقة مخبأة عند النساء الحريصات . عندما كان يثير فيهن التنهدات ممزوج بضحكات الدهشة يقلن له : "يا للفاجر يا سيدي الجنرال" كهل يتلظى عشقا!". ومنذ ذلك الحين ، التبس الأمر على الجميع ، ولم يعد أحد يعرف الأب الحقيقي لهذا الطفل أو ذاك ، لا سيما وأن أبناء "باتريسو" كانوا يولدون قبل الأوان ، تماما كأبناء سيده.
وهكذا أصبح "باتريسو أراغونيس" الرجل الأول في السلطة ، وكان محبوبا ومهابا أكثر من سيده ، الذي وجد عنده الوقت الكافي للاهتمام بالقوات المسلحة بيقظة ، مثلما كان يفعل في بداية عهده ، ولم يكن اهتمامه هذا لأن القوات المسلحة هي عماد حكمه ، كما "كنا نتوهم" ، وإنما على العكس ، لأنها كانت أخطر منافسيه ، لذا فإنه كان يوسوس لهذا الفريق من الضباط أنهم مراقبون من فريق آخر ، ليثير البلبلة في صفوفهم جميعا خشية أن تآمروا عليه . وكان يزود الثكنات بعشر رصاصات زائفة مقابل ثماني رصاصات صالحة ، ويرسل إلها البارود ممزوجا بالرمل ، محتفظا بالذخيرة الصالحة في حوزته . ويقفل مخازنها بمفاتيح يضمنها إلى مفاتيحه التي لا يمكن تقليدها ، والتي يعلقها في حمالة مفاتيح لا تفارقه ، وكانت تضم كل مفاتيح الأبواب المحظور على غيره فتحها . كان يفعل كل ذلك مع علمه أنه يعيش في ظل الحماية الهادئة لرجلين اتخذهما شريكين مدى الحياة : الجنرال "رودريغو دي أغليلار" المدفعي المحنك ، خريج الأكاديمية الذي يشغل جملة مناصب ، فهو وزير للدفاع وقائد لحرس القصر ، ومدير لمخابرات الدولة ، وأحد القلة من الرجال الذين يحق لهم أن يتغلبوا على الحاكم في لعبة الدومينو التي يديرها بيده اليسرى لأنه كان قد فقد ساعده الأيمن بينما كان يعمل على تفكيك عبوة من الديناميت وضعت على طريق سيارة الرئاسة قبل شهور عديدة من عبورها . و"باتريسو أراغونيس" مستشاره المرشد . لذا فإنه صار يطمئنّ للخروج كل يوم متجولا في المدينة ، مكتفيا بمرافق واحد ، في عربته العتيقة التي لا تحمل لوحة رسمية ولا يرفرف عليها العلم ، فيتأمل عبر ستائرها الكاتدرائية المذهبة الحجارة ، والتي أعلن بمرسوم ، أنها أجمل كاتدرائية في العالم، ويراقب المنازل القديمة العهد المشيدة بالحجارة الإسمنتية ذات القناطر العائدة بطرازها إلى عصر الجليد ، ويراقب نباتات عباد الشمس المائلة صوب البحر والطرقات المرصوفة بالبالط في حي حكام الولايات ، حيث تعبق رائحة كرائحة القنب المحترق . والفتيات السمر اللواتي يغزلن "الدانتيل" برشاقة بالغة ، ما بين أحواض القرنفل وعناقيد كرمة جهنم التي تعرش في الشرفات المضيئة ، وحدائق دير الراهبات الباسكيات التي نسقت بانتظام لا يدانيه غير ألحان غيتار الدير القديم التي تصدح عند الثالثة من بعد ظهر كل يوم ، مثلما صدحت قديما عندما ظهر أول نجم مذنب. وكان في نزهته الرئاسية هذه يخترق رفاق السوق البالية بجلبتها المدمرة ، ونداءات باعة أوراق اليانصيب ، وعربات باقة "الغواربو" وأقفاص بيض "الغوانة" ، وسلع التجار العرب المتنوعة التي فقدت ألوانها لفرط ما عرضت في الشمس ، وصور الفتاة التي مسخت عنكبوتا جزاء عصيان والديها ، وزقاق الحرمان حيث تعيش الأرامل اللوايت يخرجن عاريات كلما ذر المساء خيوطه الأولى لاصطياد الغربان البحرية الزرقاء ، وأسماك "القجاج" الزهرية ، فيراهن في شرفات منازلهن يتبادلن الساب مع بائعات الخضار ، بانتظار أن يجف غسيلهن المنشور على خشب الشرفات المزركش. ومن هناك تواجهه رائحة تعفّن المحار ، ووقوقة البجع المعتادة ، عندما يبلغ منعطف الزقاق . حيث أكواخ الزنوج تتناثر بفوضى فوق الجبل المشرئب للخليج. ومن ثمّ يبصر الميناء .. ها هو ذا .. حقا إنه الميناء برصيفه المرصوف بألواح الإسفنج ، وبارجة المارينز العتيقة تبدو طويلة ودكناء أكثر مما هي عليه في الحقيقة . وزنجية المرفأ تحاول تجنب الارتطام بالسيارة المجنونة فتنجو بنفسها في اللحظة الأخيرة وتحس كما لو أنها صدمت صدمة قاتلة ، وتستفيق من ذعرها على يقين أنها رأت شيخ الشفق يتأمل الميناء بعينين بالغتي الحزن : "إنه هو" تصرخ مرتاعة .. ثمّ تهتف : "عاش الفحل" "عاش ، عاش" يصرخ الرجال والنساء والأطفال ، وهم يهرعون مسرعين من الخمارات والمطاعم الصينية الوضيعة ، "عاش" يصرخ هؤلاء وهم يقفون متراصين كقوائم الخيل ، ليوقفوا السيارة ، ويصافحوا يد السلطة!
كان موقفا مؤثرا وغير متوقع ، لدرجة أنه أسقط بيده ، فلم يقو ، إلا بعد لأي ، على دفع يد حارسه الذي شهر سلاحه تحسبا ، فنهره قائلا : دعهم يظهرون لي مشاعر المحبة". وبدا بالغ الحماسة لهذه الاندفاعات ، ولاندفاعات أخرى مماثلة شهدها في الأيام التي تلت ، فواظب على الظهور وعلى نزهته المسائية في المدينة ، ووجد الجنرال "رودريغو دي أغيلار" صعوبة في إقناعة بالعدول عن هذه العادة الحمقاء. عادة الخروج للنزهة في عربة مكشوفة : "كي يتاح للرعية أن تراني .. أجل .." . وكانت مناورته تخفي العهر ، إذ أنه ، وإن جاء أول اقتحام له للميناء عفويا ، فإن اقتحاماته التالية كانت منظمة بعناية من أجهزته الأمنية الخاصة، الذين تخفّوا لمجاراة أوهامه الشعبة ، وكانوا متربصين لدرء المخاطر عنه ، لعلمهم أنه مفتون بنفحات المحبة عشية خريفه ، إلى درجة أنه جازف بالخروج من المدينة نفسها بعد مرور عدة سنوات على نزهته الأولى ، فوضع القطار العتيق المطلي بألوان العلم ، في السير ثانية . وواصلت حافلته العتيقة تسلق مرتفعات مملكته الشاسعة الباعثة على الضجر تسلقت بدواليبها الأربعة ، تشق طريقها عبر أدخال الأوركيديا والبلسمات الأمازونية، باعثة الذعر في القرود وطيور الجنة والفهود السارحة على جانبي سكة الحديد ، وصولا إلى القرى الجرداء المسكونة بالصقيع فوق هضاب مسقط رأسه ومنبسطاته ، حيث تنتظره الجوقات الجنائزية ونواقيس المآتم ، ولافتات الترحيب بالسيد المنزه عن التسميات لأنه رابع الأقانيم الثلاثة المقدسة. وعلى الطرقات يحتشد هنود صعاليك تجمعوا لمشاهدة السلطة محمولة على مقطورة رئاسية .. حتى إذا أتيح للبعض أن يقتربوا من المقطورة فإنهم لا يرون سوى عينين يلفهما الذهول خلف الزجاج المعفّر بالغبار ، وشفتين مرتجفتين ، وكفا تمتد لتحيّي الناس من ع لياء مجدها ، بينما يحرص مرافقه على إبعاده عن النافذة: "حذار يا سيدي الجنرال، فالوطن بحاجة لفخامتك" فيرد وهو على وشك الإغفاء: " لا تقلق أيها الكولونيل ، هؤلاء الناس يحبونني".
***
كان هذا الحوار يتكرر كلما تلوى قطاره الرئاسي في الصحراء ، أو مخرت سفينته ذات الصواري الخشبية عباب اليم، تاركة خلفها خيطا من أنغام الفالس يبثها البانيو الآلي، فتنساب متوغلة فتختلط الألحان بأريج أزهار الجاردينيا وبرائحة لآلئ خلجان ذلك البحر الاستوائي. وفي مسراها تتجنب السفينة الرئاسية المرور بمحاذاة هياكل التنينات العائدة إلى ما قبل التاريخ ، وبمحاذاة الجزر المسحورة ، المسكونة بحوريات البحر التي جاءت تضع صغارها . كما تتجنب الإبحار قرب شواطئ المدن الدارسة التي زلزلتها الكوارث ، حتى إذا بلغت الثغور الصغيرة شبه المهجورة ، هرع سكانها إلى ضفتي النهر ، لينعموا برؤية السفينة الخشبية المزركشة بألوان العلم ، فيرون عن بعد يدا مغلفة بقفاز من الساتان ، تمتد من مقصورته بالتحية. فيما تلوح أيديهم بأوراق "المالنغا" ترد له تحيته. وبعضهم يلقون بأنفسهم في الماء يحملون إليه هداياهم : حيوان "الدانتا" ، أو أثمار "الأنيام" الضخمة كرأس الفيل ، أو سلة من طيور " الغرة " المعدة لطبخة "السانكوشو" اللذيذة ، ولا يسعه حينئذ إلا أن يبدي تأثره : "كابتن.. انظر إليهم كيف يأتون إلينا ، إنهم يحبونني حقا".
وعندما يحل شهر كانون الأول (ديسمبر). وتشف شماء البحر الكاريبي كالمرآة ، كانت عربته العتيقة تتسلق طرق السواحل الصخرية ، وصولا إلى دارته المعلقة في قمة المرتفع الصخري، حيث يقضي فترة القيلولة، ويلعب الدومينو مع ضيوفه من الحكام المتسلطين الذين خلعتهم شعوبهم في بعض دول القارة، فلجؤوا إليه ولاذوا به طوال سنوات عديدة، إلى أن أدركتهم الشيخوخة على مقاعدهم في الشرفات ، يحلمون بأوهام العودة إلى مجدهم الضائع ، فيما هم يحتضرون في الواقع ، لا بل هم أموات أصلا في منزل الأمان الذي بني خصيصا لهم على هذا المطل البحري، بعد أن وفدوا لاجئين فاستقبلهم في مراسم متشابهة كما لو أنهم جميعا رجل واحد ، لأن كلا منهم كان يصل مع الفجر مرتديا بزة الأبهة فوق ثياب النوم ، مصحوبا بصندوق يختزن الأموال المختلسة من الخزانة العامة ، وحقيبة تحتوي الأوسمة والنياشين ، قصاصات صحف والبوم صور ، تحكي قصة اليوم الأول للاستبداد بالسلطة. وكما لو أن الأمر يتعلق باحتفال تقديم أوراق اعتماد،يعرض الصور على مضيفه :"انظر جنرال ، هأنذا يوم كنت ملازما أول ، هنا احتفال التقليد ، وهذه تمثل الاحتفال بالذكرى السادسة عشرة لاستلامي السلطة.. وهنا . انظر جنرال". لكنه لم يكن ينظر ، بل كان يمنحهم اللجوء السياسي ، غير آبه بوثائقهم ومستنداتهم ، إذ كان يرى أن بطاقة الهوية الأفضل ، بالنسبة لرئيس مخلوع ، هي شهادة وفاته ! لكنه كان مجبرا أن يجاملهم ، وأن يسمع بازدراء خطبهم التقليدية الزائفة : " لا يسعني إلا أن أتقبل بامتنان حسن ضيافتكم ، وأنقل إليكم رغبات شعبي بالاقتصاص من مغتصب السلطة ". هذه كانت العبارة التي يسمعها بعد ذلك بقليل من فم المغتصب ن ثم من فم مغتصبه وهكذا دواليك. كما لو أن هؤلاء البلهاء لم يعرفوا أن من يسقط في السياسة لا تقوم له قائمة بعد ذلك.
كان يستضيفهم بادئ الأمر في قصر الرئاسة ويلعب معهم الدومينو حتى آخر فلس في صندوق الأموال المسروقة .. وعندئذ فقط يمسك بضيفه المبجّل من يده ويقوده إلى النافذة المطلة على البحر ، يتذمر من الحياة القحبة، ومن الأقدار التي تتحكم بمصائر الناس ، وفي محاولة لزرع العزاء في نفس الضيف ، يخاطبه بلهجة مفعمة بلطف مصطنع:"انظر .. هنالك.. إلى ذلك المنزل الكبير الذي يشبه بارجة جنحت فلاذت بالصخور، هناك ستكون لك حجرة صحية وطعام شهي، ووقت يتسع للنسيان ، في صحبة أقران جمعهم سوء الطالع هناك، وستجد ثمة شرفة بحرية..".
هناك في الشرفة البحرية كان يطيب له أن يجلس بعد ظهر أيام كانون الأول(ديسمبر) ، لا رغبة في أن يلعب الدومينو مع هذه الزمرة من الحكام المخلوعين،بل ليتلذّذ بالشعور بأنه محظوظ قياسا على ما هم عليه من حال.ولكي يرى ذاته في مرآة مأساتهم غارقة في وحل سعادة مستنقع سلطانه العميق الآسن ، ولكي تواتيه الفرصة ليستعرض في أحلام يقظته أنه يترصد بخطى الذئب ، خلاسية تنحني بقامتها إلى الأمام مطمئنة وهي تكنس القصر الرئاسي عند مطلع الفجر، وما أن تعبق في أنفه رائحة المخدع الليلي ، و"البريانتين" الرخيص ، حتى يثب إليها كالديك، ويختلي بها خلف باب أحد المكاتب ، بينما تجمعت قريناتها وعلت ضحكاتهن الرنانة : " يالك من فحل سيدي الجنرال!دائما تتوقد عشقا رغم الشيخوخة". ثم ينصرفن ليقع هو حزينا محاولا أن يتعزى عن واقعه مرفها عن نفسه مدندنا بأغنية تقول : "يا قمر كانون الثاني(يناير)، أيها القرص المتلألئ في كبد السماء، هل تراني هنا مشنوقا قبالتك على هذه الشرفة ؟ حيث رماني قدر لا يقاوم". كان يغني مطمئنا إلى أن شعبه مقيم على محبته طوال شهور تشرين الأول (أكتوبر) ، حتى إنه تجرأ أن يعلق أرجوحة لمنامه في فناء قصره الذي شيده في ضاحية المدينة لتعيش فيه أمه "بندسيون الفارادو" ، حيث اعتاد أن يقضي ساعات القيلولة تحت شجرات التمر الهندي، دونما حراس أو مرافقين ، ويحلم أن أسماكا خرافية تسبح في مياه ملونة تملأ الغرف ، فيتنهد مدمدما : "حقا إن الوطن هو أروع الاختراعات.. أليس كذلك يا أماه؟". بيد أنه لم يكن ينتظر جوابا منها ، فهي الشخص الوحيد الذي تجرأ على توبيخه بسبب رائحة إبطيه الزنخة التي تشبه رائحة البصل العفن.
ويعود إلى قصر الرئاسة ، يدخله من بوابته الكبيرة، وفي جانحيه ذكريات نزهته الرائعة على شاطئ الكاريبي ، حيث وفر له كانون الثاني أجواء هذه المصالحة مع الحياة في أوج الشيخوخة ، مثلما كان يوفر له من قبل تلك الأمسيات التي يقضيها مع القاصد الرسولي الذي اعتاد أن يزوره بين الحين والآخر في محاولة لوعظه وتلقينه تعاليم المسيحية ، فيما هما يحتسيان الكاكاو ويقضمان البسكويت. فلا يكترث لمواعظه ، ويعترض بضحكة مدوية حتى الموت ثم يقول:"إذا كان الله على هذا القدر من الفحولة ، فلماذا لا يخلصني من هذه الحشرة التي تطن في أذني؟! ثم يفك أزرار فتحة سرواله التسعة ، يعرض على ضيفه فتقه العجيب ويقول:قل لربك هذا أن يشفي انتقاخ هذا الفتق .. وبرباطة جأشه المعتادة يواصل القاصد الرسولي عظته المستفيضة ، محاولا أن يقنعه بأن كل ما هو قح ، يأتي من الله .. حتى إذا مل من عظاته تظاهر بالنعاس ، ثم هب مودعا القاصد الرسولي حتى الباب، ومستغرقا في ضحكه ، كان يقول له :"لماذا تتعب نفسك يا أبتاه ، فأنا في كل الأحوال أنفذ رغباتكم معشر الكهنة ، فلماذا تريدونني أن أهتدي إذن؟ألا تبّا لكم".
وسرعان ما تنهار هذه الطمأنينة المكتسبة من جلسة الوعظ والهداية ، عند أول حلبة يصادفها من حلبات صراع الديكة ، حيث يدق ديك منتصر رأس منافسه ويمزقه بمنقاره على مشهد من جمهور ثمل برؤية الدم ، وجوقة سكارى ينشدون أغاني مرعبة على أنغام لحن كرنفالي .. وحده كان يستشعر الشؤم ويحس به وشيكا إلى حد أنه أعطى أوامره بالقبض على أحد العازفين:"ذاك الذي ينفخ في البوق المستطيل" ، وبالفعل ، فإن حدسه كان صادقا ، فقد اكتشف رجاله أن بوق ذلك العازف كان يشبه أنبوب بندقية مصقولا ، وتحت التعذيب اعترف العازف أنه كان ينوي استخدام البوق مستغلا الفوضى التي تدب عند خروج الناس من الحلبة !! "كان الأمر جليا -قال لرجال حاشيته- إذ أن الجميع كانوا يبادلونني النظر ، باستثناء نافخ البوق الحقير هذا ، فإنه لم يكن يجرؤ على النظر إليّ ، فارتبت في أمره. يا للمغفل المسكين".
كما في قرارة نفسه متيقنا أ، إلقاء العازف في غياهب السجن ، أو رميه بالرصاص ، ليس من شأنه أ، يخف من قلقه العميق . فالقلق تواصل يزعجه حتى بعد أن بلغ قصر الرئاسة ، وبعد أن أوضح له ضباط أمنه :"لا شيء يجعلك تقلق سيدي الجنرال.. نحن سادة الموقف".. بيد أنه لم يكن ليصدقهم ، فمنذ حادثة حلبة صراع الديكة ، راح يتعلق أكثر فأكثر بـ"باتريسو أراغونيس" ، كما لو أنه لم يكن شخصا آخر، بل كان هو ذاته ، فراح يرغمه على مجالسته إلى المائدة ويزقه بملعقته الخاصة من عسله كي يطمئن إلى أنهما قد يموتان معا فيما لو تبين أن أحدا قد دس له السم في العسل.. وكان الاثنان يجتازان متحاذيين غرف القصر المهملة ، كما لو أنهما هاربان، ويمشيان على السجادات محاذرين أن يُسمع وقع خطواتهما العنيف كوقع خطوات فيلة قادمة من مملكة سيام . كما كانا يغرقان معا في بحر ضوء المنارة المنقطع عندما يتسلل من النوافذ ليغمر غرف البيت باللون الأخضر فيختلط بدخان روث البقر المجفف وبصفير السفن الليلية مودعة الميناء لتبحر فوق صفحة اليم الغارقة في سبات عميق ، ولطاما كانا يقضيان ساعات الظهيرة يتأملان المطر أو يحصيان عدد السنونوات العابرة كما يفعل عاشقان عجوزان في أصابيح أيلول سبتمبر الكئيبة.
***
كان متيقنا من أن صراعه من أجل البقاء والخلود يصطدم بشك من حوله بقدرته على تحقيق ذلك . لدرجة أن الاعتقاد السائد كان يتركز على قرب أفول نجمه .. وما أن غرق مرة في سبات عميق ، حتى ضوع
المزيد
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عنق الحكاية القديمة

كتبها  التباوي ، في 30 يوليو 2007 الساعة: 16:44 م

في اللحظة التي انتصر فيها السيد روباشا الحاسي على نفسه كان القدر قد توقف و انكسفت الغيمة من ذاتها و انقشعت بلا سابق انذار و عادت الشمس و هي ترسل شواظها الصاهرة و كأنها لن تعيش ليوم اخر جديد و كنت اراقب البنت حسنية و احبها .. و لكنها ابداً لم تكن تحبني انا اعرف ذلك فهي دوماً تنظر الى صديقي .. الرشيد .. و لقد كرهت الرشيد في سري و تحت الشجرة قال لي صديقي الذي اكرهه:
احبك في الله يا منير .
عندها كرهت نفسي .. و قلت :
ربي اريد ان اموت .
و بعدها بأيام انتحرت حسنية .. و سمعت من الجيران بأنها حملت من السيد روباشا الحاسي الذي هرب على كل حال ليتركها وحيدة في عالم الذئاب التي لا ترحم.. و قد سقط الرشيد في دوامة رهيبة من الضياع و احسست بطريقة مدهشة براحة كاملة و كأن العالم انتقم لي من اعدائي و لكن هل هم اعدائي .. الرشيد بذات صديقي .. طز .. كنت احب البنت .. و لكنها كانت تنظر الى الرشيد و ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كلمة و نص حلم

كتبها  التباوي ، في 30 يوليو 2007 الساعة: 16:26 م

في الطبقة الاخيرة للتفكير دائماً اجد نفسي اغوص في مدارات الحلم .. و أبي الشديد القوي القادر الف مرة على الفهم ينظر الى بحزن ليعلن في النهاية :

كم انت مضحك يا بنى .. انت مضحك .

و يضحك ابي ضحكة مريرة و اعرف أنا بأنه يريد أن يجعل مني رجلا مثلهم لذا يقضي كل اوقاته يتحدث لي عن مدى جمال حياتهم الرجولية التي كانوا يعيشونها في الماضى : في ربا الكفرة .. و يقول لي بتلك الطريقة الرائعة التي احسده عليها :

كنا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

متفرقات عن الكوني .. كلام عيال !

كتبها  التباوي ، في 28 نوفمبر 2006 الساعة: 19:13 م

هذا ما كتبته لدى قرأتي للقاء الكوني في العربية :

ليست لعبة ابداً ما يقوم به ابراهيم الكوني .. بل عمل اصيل مليء بصعوبة و النقش .. ابراهيم الكوني الذي بدأ حياته الادبية مذ كان في اعماق الصحراء فرحل بجسده نحو العالم في رحلة مرهقة للبحث عن التجارب .. تلك الرحلة التي بدأها الصادق النيهوم يوما .. يبدأها ابراهيم الكوني مرة اخرى بطريقة اقوى و نحو هدف محدد و بينما كان النيهوم ضائعا مثل شراع متصلب تائه في المحيط كان الكوني شابا يعرف ما يريد ربما لأنه وجد فرصة للتعرف على العالم من خلال ما وصله ائنذاك من خبرة النيهوم و غيره من الكتاب العمالقة في ذلك الوقت . لا احد يعرف الان . و لكن المعروف بأنه قد استطاع ان يحقق شيئاً رائعاً .. و خير دليل على ذلك ما نراه كل يوم و نسمعه عن التكريمات و الكتب المتفوقة و المعذبة على نطاق واحد . هذا الكوني .. استطاع ان يفهم الكون بشكل مذهل. و لكنه خسر ذاته ضاع بلا شك انحرف عن بوصلة ذاته .. تاه في المحيط ذاته الذي استطاع ان يثبت فيه شابا و ان يبدع مهارات عملاقة .. هذا المحيط الذي كان بمثابة ملعب للكوني اتسع على قدر مقامه و اتسع بقوة حتى بات من الصعب عليه ان يفهم ما يجري إلا بطريقة الفلسفة .. أليست الفلسفة محاولة لفهم ما يجري؟. اليس الفيلسوف محب للحكمة باحث عنها . اي انه لم يصل اليها بعد.. هذا ما يحدث للكوني بضبط .. ضياع و عدم جدوى .. و عذاب مستمر .. عذاب يرسمه بروح ودانه الذي يبدو دوما طعما و شؤما للبشر .. ودانه الذي ينقذ و يموت او يضيع او يلعن صاحبه .. لا شك بأن لعنة الودان قد سكنت الكوني. و هذا السكون لا يمكن ان يغدو محض لعبة انها رحلة من نوع اخر .. رحلة اكثر من الموت و اكبر منه .. هل نسميها اعادة اكتشاف؟ هل نسميها ضريبة العقل؟ ام نكتفي بالقول بأن الكوني يستمتع بهذا العذاب؟ شكري الميدي .. قاريء محب للكوني لحد الموت.

و هذا ما كتبه غيري هناك:

كتب الاخ معدي يستفسر عن الكوني قائلا:

الاخوه العربيه … اعذرونى …. مين بقى الاستاذ ابراهيم الكونى …. ارجوكم سامحونى وارجوا للاستاذ الكونى ان يعذرنى لجهلى … لكنى اعتبر نفسى مثقفا وقارىء منتظم ولم اقراء فى حياتى لا عمل ولا حتى نقد لاعمال السيد الكونى …. وارجوا من المهتمين به كتابه بعض عناوين اعماله ولو امكن اسم الناشر ليتسنى لى متابعته.

و هذه ردود السادة عليه.. لقد كانت حماسية :

اخى العزيز يامعدى… كيف نعدرك لجهلك وانت القائل عن نفسك بانك مثقف وقارىء منتظم .. اخى ويجب ان تعذرنى هنا ان الانغلاق الذى يعيشه بعض الاخوان فى مصر والتقوقع الرهيب حول ما هو محلى ومصرى .. وعقدة مصر ام الدنيا (بعض المصريين طبعا) وانه لايمكن لاى كان ان يبدع خارجها هو سبب رئيسى لجهلك الذى اعترفت به .. الكونى هو احد الكثير والكثير من العمالقه العرب المغاربه والليبيين والجزائريين والسودانيين والتوانسه وال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ابراهيم الكوني و لقائه في العربية الجزء الثاني

كتبها  التباوي ، في 28 نوفمبر 2006 الساعة: 19:08 م

ضيف الحلقة: الروائي إبراهيم الكوني (الجزء الثاني)

أحمد علي الزين: الآن هنا في سفوح جبال الألب، يقلب الهضاب ليكشف المدى، والمدى أبعد مما تراه العين، وهناك قائم في الأبدية الصحراوية الساكنة في وجدانه والمتعاقبة في ذاكرة السلالة الشقية الباحثة عن الحقيقة، وهذا هو.. هذا هو في مراحل المخاضات ما بين واحاته المعرفية، ولكن هذه الصور أو الوجوه التي كانها يوماً ليست تماماً هو الآن، هي للدنيوي الشغوف للكشف المؤجل الذي اختبر أحوال النفس والشهوات ما بين مرابع الطفولة في الصحراء وبلاد الثلج في موسكو حيث أمضى سنوات سبع في معهد فوركي للدراسة والبحث وتعلم اللغات، اختبر الحياة وخاض تجارب الرحالة تجارب الشرود، ثم بحث عن استقرار يريحه فتزوج وأنجب وألّف أبناءً وألف أصدقاءً وألف حياةً ظن بها راحة تخفف من عبء الغامض الذي يضنيه ولكن كان يرنّ دائماً في البال صدى جرس بعيد.. بعيد يناديه لخروج آخر من واحات الدنيا إلى واحات أخرى مجهولة ففعل.. فعل مرّن النفس على قسوة أكثر قسوة من التيه في الصحراء، واختار العزلة التامة لمدة عشرين سنة ليس لغاية العزلة بل لغاية سبر أغوار النفس والعقل ومن أجل الكشف عن سره، فإلى أين وصل هذا الصحراوي؟ وهل عثر على حقيقة ما؟

عودة

العزلة لسبر أغوار النفس

إبراهيم الكوني: الشيء الوحيد الذي يجب.. الذي نستطيع أو حتى يجب أن نضحي فيه بالحياة دون أن نندم هو الحقيقة، لم أندم لأني سفحت من عمري عشرين عاماً أو ربع قرن اعتزالاً..
أحمد علي الزين: ولم تزل.
إبراهيم الكوني: ولم أزل في واقع الأمر إنما هنالك..
أحمد علي الزين: ولكن بمقدار أخف.
إبراهيم الكوني: بمقدار أقل ربما، ولكن التجربة تستحق.. التجربة تستحق.
أحمد علي الزين: يعني أنت خلال تلك التجربة انقطعت عن كل ملذات الحياة؟
إبراهيم الكوني: يقيناً.
أحمد علي الزين: حتى عن المرأة.
إبراهيم الكوني: يقيناً..
أحمد علي الزين: وماذا كان التعويض عن كل ذلك..
إبراهيم الكوني: لذة الحكيم في اللالذة، لذة الباحث عن الحقيقة في نفي اللذة.
أحمد علي الزين: ويشعر بالنشوة كما..
إبراهيم الكوني: يقيناً، هذا يسمونه الوجد.
أحمد علي الزين: إذاً يعني في هذا المنفى في تلك العزلة مارست طقوس التصوف: العزلة والتأمل، لا بد أنك وصلت لشيء، إلى أين وصلت؟
إبراهيم الكوني: وصلت إلى ما يجب أن أصل إليه.
أحمد علي الزين: هل هو سر؟
إبراهيم الكوني: دائماً سر.. دائماً سر، ما نقوله دائماً ليس هو ما نريد أن نقوله حتى لو حدّثتك عنه فلن أستطيع أن أعبر لك عنه، لذا..
أحمد علي الزين: لعجز اللغة؟
إبراهيم الكوني: لعجز اللغة أو لاستعصاء الرمز لاستعصاء المبدأ.
أحمد علي الزين: يعني كلما اتسع الأفق.

عودة

كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة

إبراهيم الكوني: كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، يقيناً.
أحمد علي الزين: يعني أنت ترى الذي وصلت إليه ولمسته ولكنك لا تستطيع التعبير عنه؟
إبراهيم الكوني: ككل الأشياء العظيمة ككل نص جميل، النص الجميل هو الذي نلتذّ به ولا نستطيع أن نعبّر عن لذّتنا به، لا نستطيع أن نعبّر عنه.. النص المقروء، عندما نقرأ نصاً جميلاً التغميض..
أحمد علي الزين: ربما النص الجميل لم يُكتب بعد.
إبراهيم الكوني: يقيناً، نتأمل أن يُكتب يوماً.
أحمد علي الزين: لا بد من أسباب، أسباب دنيوية أسباب وضعية دفعتك للقيام بتلك الرحلة داخل النفس وربما داخل الكون وداخل العقل، شو هي الأسباب؟ شو هي الأزمات؟
إبراهيم الكوني:

 

 يكفي أن نقول أنها الدنيا، يكفي أن نقول أنها الدنيا، كل إنسان في هذا الوجود يحن لأن يعتزل، يحن لأن يقابل نفسه في محراب نفسه، كل إنسان يحاول أن يعرف نفسه، تجربة معرفة النفس هي الخطوة الأولى نحو الحقيقة 

 

يكفي أن نقول أنها الدنيا، يكفي أن نقول أنها الدنيا، كل إنسان في هذا الوجود يحن لأن يعتزل، يحن لأن يقابل نفسه في محراب نفسه، كل إنسان يحاول أن يعرف نفسه، تجربة معرفة النفس هي الخطوة الأولى نحو الحقيقة.. ليس الحقيقة فقط ولكن نحو السعادة..
أحمد علي الزين: نحو الحرية.
إبراهيم الكوني: نحو الحرية بالتأكيد، الحرية أنبل شيء في الوجود، الحرية هي الحقيقة، والحقيقة هي الحرية، ولكن أستطيع أن أعود إلى الوراء قليلاً، هذا الهاجس كان في أعماقي منذ الطفولة التي تحدثت أنت عنها منذ قليل، منذ العشر سنوات الأولى منذ وطأت قدميّ أرض الواحة، غامض يقينياً لكن الإحساس بوجود رسالة ما، لم أستطع أن أتحرر منه طوال تلك السنين، حاولت أن أنساه طوال تلك الأعوام حاولت أن أنفيه حاولت أن أتنصل منه ولكنه لم يتنصل هو مني، لذا عندما تقدم العمر قليلاً اكتشفت في مواجهة نفسي أنني لم أفعل شيئاً..
أحمد علي الزين: ألهو.
إبراهيم الكوني: نعم ألهو كما يلهو الكل، اكتشفت أن رحلتي ستتحول إلى باطل الأباطيل إن لم أفعل ما يجب أن أفعله، أنا حاولت أن أنقذ نفسي كما ينقذ المؤمنون أرواحهم بالإيمان.
أحمد علي الزين: أنقذت نفسك بالتأمل والعزلة.
إبراهيم الكوني: بالتأكيد، بالتأكيد.
أحمد علي الزين: للكتابة فقط.
إبراهيم الكوني: ليست للكتابة..
أحمد علي الزين: للبحث عن الحقيقة التي تجلت في الكتابة.
إبراهيم الكوني: بالتأكيد، الإنسان لا بد أن ينشغل بشيء ما، لكي يقول شيئاً ما، لا بد أن نلهو أقصد، لا بد أن تتحول الكتابة أيضاً لهواً.
أحمد علي الزين: ولكن كأنه أنت تنقلت من لهو إلى لهو، اللهو الأول إذا بدنا نسميه لهو كان..
إبراهيم الكوني: لهو دنيوي.
أحمد علي الزين: مجاني..
إبراهيم الكوني: جداً.
أحمد علي الزين: ولم يؤسس لشيء بتقديرك؟
إبراهيم الكوني: بالتأكيد التجربة الدنيوية امتحان في غاية الأهمية لكل باحث عن الحقيقة، لكل صاحب رسالة مهما كانت هذه الرسالة، مهما كانت هذه الرسالة في نظرنا صغيرة، لذا هو الجحيم الذي لا بد منه..
أحمد علي الزين: لا بد من المرور به..
إبراهيم الكوني: الجحيم الذي يجب أن نعبره لكي نبلغ شطآن النعيم.
أحمد علي الزين: ولكن تقول أنه أحياناً الحقيقة هي أيضاً نوع من القصاص أو العقاب.
إبراهيم الكوني: يقيناً.
أحمد علي الزين: يعني ليس من نجاة حتى في الوصول إلى الحقيقة؟
إبراهيم الكوني: يقيناً لا، يقيناً لا، ربما بالعكس الحقيقة قصاص أقسى من التنصل للحقيقة أحياناً، الحقيقة دائماً قصاص.
أحمد علي الزين: طيب تلك العزلة اللي بتعيشها أستاذ إبراهيم ما بتخليك تحس بنوع من الغربة أو من الغربة الكاملة عن الناس؟
إبراهيم الكوني: يقيناً هو.. المأساة هي أن المبدع يغترب بالدنيا، يغترب بالحقيقة عن الدنيا، ويغترب بالدنيا عن الحقيقة، مسألة جدلية ولذا هو يحيا في برزخ بين القطبين، في برزخ بين هذين العالمين القاسيين كلاهما، كلاهما أقسى من الآخر.

عودة

السير عندما تضيق الحياة

أحمد علي الزين: يعني فينا نقول: أنت طبّقت شيء من قول النفري: إذا ضاقت بك الدنيا سر..
إبراهيم الكوني: سر.. سر.. نعم، الرحيل بالتأكيد، مدلول الرحيل أو مبدأ الرحيل لا يكمن في أعمالي فقط ولكن في حياتي أيضاً، يجب أن ننتقل لا بالروح فقط، يجب أن نتنقل لا بالروح فقط ولكن بالجسد أيضاً.
أحمد علي الزين: يعني إحساسك بتلك الغر

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ابراهيم الكوني و لقائه في العربية الذي قام به : احمد الزين

كتبها  التباوي ، في 27 نوفمبر 2006 الساعة: 16:14 م

لا اعرف لما لهذا الرجل سحر البحث عنه انه غامض و مليء بالغموض و من نتائج بحثه عنه هو ان وجدت هذا الحديث له على موقع العربية اثرت ان انشره لكي اكون قد اسهمت في نشر شيء ذا قيمة ريثما انجز بحثا عنه (( ابراهيم الكوني)).

و الشكر للقناة العربية: و للأحمد الزين

الجزء الاول من اللقاء .

 
روافد: مع الروائي إبراهيم الكوني
   

 

 

 

اسم البرنامج: روافد
مقدم البرنامج: أحمد علي الزين
تاريخ الحلقة: الجمعة 22/4/2005

أحمد علي الزين: لم ألتقِ به سابقاً حتى صورته الصحراوية القديمة بزيه الطوارقي وبلثامه لا تكشف سوى القليل من مظاهره، أما أن داخله وعوالمه العاصفة أو الساكنة وهجراته في أكوانه وصحرائه فهي أمور تتجلى في الكتاب الصحراوي الذي سبر متاهاته نحو حكاية التكوين، غائب في ظاهره وحاضر في روحه في نصه، في نصه الطوفان والتبر، نزيف الحجر، وبيان اللغات والأديان، غريق متنه أو سابحٌ في فضائه الشاسع المجهول، متخفٍّ في أطياف المقيمين والعابرين على الأرض، مرتحلٌ أبدي، فكيف تلتقيه وهو أسير سكينته والبحث الجليل عن الحرية والحقيقة؟ كيف تلتقيه وهو الهارب الأكبر في حكايات جدته الصحراء؟ انشغل لربع قرن بالمتن الخلاق، غَلَق على الجسد أبواب العزلة، والعزلة تتيح لمن مثله إقامة جادة الحساب مع الدهر مع النفس ومع الذات، والعزلة فضاء أكثر رحابة لسبر المجهول والبحث عن السر.. سر المعادلة لكيمياء الحياة، هنا في هذا النقيض الخلاق يمارس فعل الكتابة والتأمل، هنا في هضاب جبال الألب، إنه النقيض في الظاهر أو إنه الفردوس الذي بحث عنه التائهون في الصحراء الكبرى، لكنه في العمق هو محطة من محطاته الأرضية أو هو مطرح للانطلاق من جديد في شعاب المتن، تلك الشعاب المؤدّية غالباً إلى الحنين، أما الهامش كان جولة في هذا الفردوس الأرضي ولقاءً في دبي لعله يكشف بعض ملامح هذا الصحراوي المهاجر في شعاب الحنين الأبدي إلى الغاب.

عودة للأعلى

المتن والهامش في حياة المبدعين

خلينا نتحدث عن المتن والهامش، إذا اعتبرنا المتن هو انشغالك اللي عمره فوق الثلاثين سنة بعالم الرواية والأدب هو هذا المتن، وهذا الشيء اللي عم نقوم فيه الآن هو الهامش.
إبراهيم الكوني: يقين.
أحمد علي الزين: يعني أنت تقريباً حوالي عشرين أو ربع قرن شبه غائب عن الإعلام العربي، هل هذا موقف؟ ولماذا اخترت الآن هذه الإطلالة؟
إبراهيم الكوني: لأن مأساة كل الكتاب أعتقد ليس الكتاب العرب فقط هي الاهتمام بالهامش أكثر من الاهتمام بالمتن، تحضرني مقولة لأحد الكتاب الفرنسيين في القرن السابع عشر يقول: أنه عندما يفلح المبدع في إنجاز عمل خارق أو عمل عبقري أو عمل ناجح فلا بد أن يفعل المجتمع المستحيل لكي لا يتكرر هذا العمل.
أحمد علي الزين: جميل.
إبراهيم الكوني: بأي معنى الأضواء بالاهتمام به كشخص بمحاولة احتوائه وإبعاده عن قضيته عن رسالته، هذا يعني أن الأضواء مميتة عندما تكون.. حتى لو كانت عن حب..
أحمد علي الزين: ولصالح المتن؟
إبراهيم الكوني: ولصالح المتن.
أحمد علي الزين: لأنها تفسد العملية الإبداعية؟
إبراهيم الكوني: تفسد العملية الإبداعية لأنها..
أحمد علي الزين: تجعل المبدع يعيش على شي من المجد.
إبراهيم الكوني: بالضبط، يعني ينشغل المبدع بالهامش أو بالحياة الدنيوية وينسى الحقيقة وينسى رسالته ينسى إبداعه..
أحمد علي الزين: المهمة الأساسية.
إبراهيم الكوني: المهمة الأساسية التي خُلق من أجلها.
أحمد علي الزين: رُدِّي إليّ عطشي وأبعدي عني الإنسان، قال الجمل للصحراء في كتاب ديوان النثر البري لإبراهيم الكوني، قرأت هذه العبارة وكنت على علوّ أربعين ألف قدم فوق الصحراء الكبرى، لا يمكن أن أرى من هذا العلو ما عاشه إبراهيم، ويستحيل إلا بالخيال تتبع أطياف أهله ونجعه وفلول المهاجرين الأبديين في الصحراء نحو فراديسهم المفقودة والتي لا يعثر عليها إلا التائه الذي يقع في فخ الضياع، ما هذا العدم؟ ما هذا العدم المعادي للروح؟ وللحرية؟ ثم وتخيّلت أبطاله الأشقياء المصابين بوجع الحنين وبالغناء والوجد، وافتكرت بسر هذا الصحراوي المسكون بصحرائه الكبرى المرتحل فيها وفي أسطورتها وتكوينها في سرابها وسرها وسحرها والمشبع بصمتها المدوّي وبطقوسها، لكأنه مجبول من رنها وسرابها ونسغ شجرها القليل وعشبها الشحيح.

عودة للأعلى

لماذا احتفى الغرب بأعماله؟

احتفى الغرب بإنجازات إبراهيم الكوني على أكثر من مستوى، ربما أول مستوى هو ترجمة أعمالك إلى كل اللغات الحية تقريباً، ثم تلك الجوائز اللي نلتها الجوائز العديدة اللي نلتها على مدار سنين، وبالتالي اهتمام النقد الغربي بتجربتك ربما أكثر من النقد العربي، هذا إذا ما كان النقد العربي شبه غائب، بتقديرك هذا الاهتمام أو الانهماك الغربي والاحتفال بإبراهيم الكوني هو مردّه إلى صحرائك الكبرى التي تروي عنها له لهذا الآخر الذي يحب أن يكتشف بعض الغموض؟
إبراهيم الكوني: ربما، لكن السبب الرئيسي أعتقد هو أن الأوروبيين يقرؤون ونحن في العالم العربي لا نقرأ، حتى نقادنا لا يقرؤون، الأوروبيون يعرفون ماذا يقرؤون ويعرفون ماذا يقولون، لهذا السبب لا أعتقد أن اهتمامهم بأعمالي ناجم عن..

 
 الأوروبيين يقرؤون ونحن في العالم العربي لا نقرأ، حتى نقادنا لا يقرؤون، الأوروبيو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الادمان على المعرفة : متعة للعقل أم للروح ؟

كتبها  التباوي ، في 23 نوفمبر 2006 الساعة: 15:46 م

لماذا هناك منْ لديه هوس بالمعرفة وشغف بالتعمق في العلم؟ ولماذا نجد هذا فقط لدى بعض الناس دون غيرهم؟ أي وبمعنى أخر، هل من تعليل علمي لمفهوم حال الضد في بيت شعر المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الشقاوة بالجهالة ينعم! أي لماذا يشقى الإنسان الذي لديه عقل يحب المعرفة والعلم حينما يركن إلى حياة الخمول، ولا يستخدم بالتالي عقله باستمرار في التعلم وحل الألغاز والمسائل الرياضية الصعبة؟ في حين ترى الشقي ينعم في الجهل.
الفلاسفة والمفكرون والمربون لديهم تعليل سليم وبسيط، مستمد من الملاحظة واستقراء الحال. وهو أن من تعود البحث والقراءة والتعلم وحل الألغاز والمسائل الرياضية، لن يجد الراحة طالماً كان بعيداً عن هذا.
* الإدمان على المعرفة
* لكن كيف؟، كيف نفهم ونتقبل أنها متعة للعقل؟
علماء الأعصاب قدموا لنا تفسيراً منطقياً وسهلاً لتأكيد أن ثمة متعة حقيقية تجتاح الدماغ، ويُحس بها الإنسان عندما يلتقط المعلومة، أو يفهم شيئاً جديداً. وأيضاً قدموا لنا الآلية التي يتم بها نشوء المتعة في الدماغ، وشبهوا الأمر بالإدمان على الأفيون. ولذا فإن مدمني الأفيون لا يحتاجون هذه المادة من الدماغ، ويغدون أشخاصاً كسولين وخاملين علمياً. اما تعليل الادمان على المعرفة فقد وصف العلماء الإدمان بلغة بسيطة، وهو الاعتماد على شيء معين كمصدر للحصول على اللذة أياً كان نوعها. ولا تنشأ الحالة إلا لدى من تكرر استخدامه لهذا المصدر، وتعودت نفسه عليه، وأحس بالفرق حين حرمانه منه. وهو ما ينطبق على علاقة الدماغ بالمعرفة.
الباحثون من جامعة جنوبي كاليفورنيا يقولون أن الدماغ يأخذ مكافأة ذاتية عند التقاطه معلومة جديدة أو حله لمسألة ذهنية صعبة. والمكافأة هذه عبارة عن جرعة من مادة الأفيون! والفرقعة الذهنية عند فهم أمر جديد، تعمل على البدء بسلسلة من التفاعلات الكيميائية السريعة، وتنتج في نهاية الأمر دفقة من مادة طبيعية شبيهة في مفعولها على الدماغ بالأفيون، وذلك على حد قول بروفسور العلوم العصبية بجامعة جنوبي كاليفورنيا، الدكتور ايرفنغ بيدرمان الذي وضع فرضيته الجديدة في نتائج البحث المنشور في العدد الأخير من مجلة «العلماء الأميركيين».
ويوضح قائلاً، حينما يحاول أحدنا فهم نظرية أو معلومة صعبة، فالأمر غالباً شاق وليس مجرد مرح، لكن بمجرد فهمها والتقاط تلك المعلومة بشكل سليم، ينتاب الإنسان شعور عارم بالرضا والسعادة. ولذا فحاجة دماغ الواحد منّا إلى ما يعيد الهدوء والسكينة إليه، أو ما نصفه بالعامية «فلان يحتاج أن يعدل دماغه»، هي الدافع للناس كي يرفعوا إلى أقصى حد من قدرات الاستيعاب الذهني لديهم للمعلومات والمعرفة. ويعلق البروفسور بيدرمان قائلاً: مزاجنا الذهني مفتون بتجميع المعرفة في كل ثانية كما هو حال تجار القطع الأثرية في الحرص على اقتناء القديم والقيم منها.
وفرضية بيدرمان حول الإدمان المعرفي والعلمي لها قيمة تطورية قوية، ومرتبطة جداً بمستوى الإدراك الذكائي. ويحتاج الأمر إلى عناصر ضاغطة بشكل قوي، كالجوع مثلاً، كي يُؤجل الدماغ رغبته في البحث عن المعرفة. وعلى حد قوله فإن نفس الأمر ينطبق على تقدير الجمال الفني البصري والمتعة في التفاعل معه.
* أساس الفرضية وفرضية البروفسور بيدرمان مستوحاة من نتائج بحث تم إهماله منذ ربع قرن حول مستقبلات المواد الأفيونية الطبيعية في خلاي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصة قصير للقاص: فلاديمير كورولنكو

كتبها  التباوي ، في 23 نوفمبر 2006 الساعة: 15:36 م

قارع الأجراس

*فلاديمير كورولنكو
كان المساء قد بدأ يظلم. وكانت القرية الصغيرة الواقعة قرب الجدول البعيد ي غابة من الصنوبر قد برزت في ذلك الغسق الخاص بليالي الربيع الملأى بالنجوم، إذ زاد الضباب، وهو منبعث من الأرض، ظلال الأحراج قتاماً، وملأ الثغرات بغمام فضي أزرق … كان كل شيء ساكناً متأملاً، والقرية هاجعة في هدوء.
كانت رسوم الأكواخ التسعة داكنة تكاد لا ترى، تشع الأنوار هنا وهناك، وبين الفينة والفينة يسمع صرير بوابة، أو فجأة ينبح كلب ثم يسكت. ومن حين لحين كان يخرج من الغابة الهامسة من وسط الظلام شبح عابر سبيل أو فارس، أو عربة تجتاز مطرطقة. إنهم سكان قرى الغابة الموحشة ذاهبون إلى كنيستهم لإحياء عيد الربيع العظيم.
كانت الكنيسة على رابية جميلة في منتصف القرية. والجرسية القديمة عالية ظلماء.
وكان صرير أدراج الجرسية يرتفع كلما صعد عليها (ميخايتش) قارع الأجراس الهرم وفانوسه يتأرجح في الهواء كنجمة متألقة.
كان من الصعب على الشيخ العجوز أن يتسلق الأدراج. لم تخدمه ساقاه على ما يرام وعيناه قد أصابهما الكلال … إن شيخاً هرماً مثله كان يجب أن يأخذ راحته منذ زمن، ولكن الله عزوجل لم يشأ له ذلك. لقد دفن أولاده وأحفاده. ورافق كثيراً من الشيوخ والشباب إلى مثواهم الأخير وهو لا يزال حياً. كانت العيشة شاقة. وقد حيا عيد الربيع مراراً وتكراراً حتى لم يعد يستطيع أن يتذكر كم مرة انتظر الساعة المعينة على تلك الجرسية. والآن لقد شاء له سبحانه وتعالى أن ينتظر مرة أخرى.
ذهب الشيخ إلى فتحة في القبة واتكأ على الحاجز فرأى في الظلمة المحيطة بالكنيسة مقبرة القرية حيث تترامى الصلبان العتيقة بأذرعها المبسوطة، وكأنها تبسط حمايتها على القبور المهملة، وقد انحنت فوقها أغصان بضع أشجار عارية ـ هنا وهناك. وهبت مع النسيم رائحة براعم عطرة إلى (ميخايتش) حاملة بين ثناياها شعوراً من الكآبة توحيه النومة الأبدية.
ترى ماذا سيحل به بعد سنة؟ أسيتسلق مرة أخرى هذا العلو الشاهق تحت الجرس النحاسي، ليوقظ الليل الناعس برناته الصافية، أم سيكون ملقى هناك في زاوية مظلمة من المقبرة وعلى صدره صليب؟
هتف صوت مرتعش، صوت خادم الكنيسة العجوز منادياً ((ميخايتش يا ميخايتش)) ورفع نظارته إلى أعلى الجرسية مغطياً عينيه الملأى بدموع الكبر بيديه المرتعشتين. فأجابه قارع الأجراس ((ها هو ذا أنا. ماذا تريد؟)) وأسقط نظراته من قمة الجرسية واردف ((ألا تراني؟)).
((لا. لا أستطيع. أظن أن الوقت قد حان لقرع الجرس، ماذا تقول؟)) ونظر كلاهما إلى النجوم: ربوات من قناديل الله مضاءة في الفضاء. وتأمل ميخايتش قليلاً ثم قال: ((لا لم يحن الوقت بعد … إني أعرف تماماً … )).
كان يعرف حقاً. لم يكن في حاجة إلى ساعة، فإن نجوم الله كافية … السماء والأرض، والسحابة البيضاء المنسابة بلطف على صفحة السماء، والغابة الحالكة الهامسة، وحتى تجعد مياه الجدول في الظلام، كلها معروفة لديه … إنها قطعة من نفسه.
نهض الماضي البعيد متجسماً. وتذكر كيف صعد هذه الجرسية لأول مرة مع والده. يا الله، ما أبعد ذلك الزمان، ولكن ما أقربه أيضاً … رأى نفسه شاباً أشقر بعيون متوقدة، والريح ـ لا الريح التي تثير الغبار في الطرقات بل الريح التي تصفق بجناحيها الصامتين ـ تشعث شعره … تراءت له أكواخ القرية ضئيلة، وتباعدت عنه الغابة وبدت الساحة التي بنيت عليها القرية هائلة الاتساع لا نهاية لها.
ابتسم العجوز الأشيب عندما نظر إلى تلك الفسحة الصغيرة وهزّ رأسه … تلك كانت طريقه إلى الحياة، والشاب لا يرى طرفها الآخر. والآن ها هي ذي كأنما وضعت على كفه من أولها حتى تلك الزاوية البعيدة التي خيّل إليه بأنها ستكون مقره الأخير … ومهما يكن الأمر فالمجد لله! لقد حمل وقر الحياة بشرف وآن وقت الراحة. وخيل إليه كأنما الأرض الرطبة أمه تناديه … قريباً، قريباً جداً.
حان الوقت ونظر (ميخايتش) مرة ثانية إلى النجوم. ثم نزع قبعته ورسم إشارة الصليب. وقبض على حبال الأجراس. وفي لحظة جاوب هواء الليل صدى قرعة داوية، ثم أخرى، فثالثة، فرابعة … الواحدة تلو الأخرى مالئة ذلك المساء الهادئ بأنغام صاخبة فرحة.
وقف الجرس. وابت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصة قصيرة .. للكاتب السوداني: الطيب الصالح

كتبها  التباوي ، في 23 نوفمبر 2006 الساعة: 15:22 م

حفنَة تَمْر(قصة قصيرة)

* الطيب صالح
لابدّ إنني كنت صغيراً جداً حينذاك. لست أذكر كم كان عمري تماماً، ولكنني أذكر أن الناس حين كانوا يرونني مع جدي كانوا يربتون على رأسي، ويقرصونني في خدي، ولم يكونوا يفعلون ذلك مع جدي. العجيب أنني لم أكن أخرج أبداً مع أبي، ولكن جدي كان يأخذني معه حيثما ذهب، إلا في الصباح حين كنت أذهب إلى المسجد، لحفظ القرآن. المسجد والنهر والحقل، هذه كانت معالم حياتنا. أغلب أندادي كانوا يتبرمون بالمسجد وحفظ القرآن ولكنني كنت أحب الذهاب إلى المسجد. لابد أن السبب أنني كنت سريع الحفظ، وكان الشيخ يطلب مني دائماً أن أقف وأقرأ سورة الرحمن، كلما جاءنا زائر. وكان الزوار يربتون على خدي ورأسي، تماماً كما كانوا يفعلون حين يرونني مع جدي. نعم كنت أحب المسجد. وكنت أيضاً أحب النهر. حالما نفرغ من قراءتنا وقت الضحى، كنت أرمي لوحي الخشبي، وأجري كالجن إلى أمي، والتهم إفطاري بسرعة شديدة واجري إلى النهر وأغمس نفسي فيه. وحين أكلُّ من السباحة، كنت أجلس على الحافة وأتأمل الشاطئ الذي ينحني في الشرق ويختبئ وراء غابة كثيفة من شجر الطلع. كنت أحب ذلك. كنت أسرح بخيالي وأتصور قبيلة من العمالقة يعيشون وراء تلك الغابة … قوم طوال فحال لهم لحى بيضاء وأنوف حادة مثل أنف جدي. أنف جدي كان كبيراً حاداً. قبل أن يجيب جدي على أسئلتي الكثيرة، كان دائماً يحك طرف أنفه بسبابته. ولحية جدي كانت غزيرة ناعمة بيضاء كالقطن. لم أرَ في حياتي بياضاً أنصع ولا أجمل من بياض لحية جدي. ولابد أن جدي كان فارع الطول، إذ أنني لم أرَ أحداً في سائر البلد يكلم جدي إلا وهو يتطلع إليه من أسفل، ولم أرَ جدي يدخل بيتاً إلا وكان ينحني انحناءة كبيرة تذكرني بانحناء النهر وراء غابة الطلح. كان جدي طويلاً ونحيلاً وكنت أحبه وأتخيل نفسي، حين استوي رجلاً أذرع الأرض مثله في خطوات واسعة. وأظن جدي كان يؤثرني دون بقية أحفاده. ولست ألومه، فأولاد أعمامي كانوا أغبياء وكنت أنا طفلاً ذكياً. هكذا قالوا لي. كنت أعرف متى يريدني جدي أن أضحك ومتى يريدني أن اسكت، وكنت أتذكر مواعيد صلاته، فاحضر له ((المصلاة)) وأملأ له الإبريق قبل أن يطلب ذلك مني. كان يلذ له في ساعات راحته أن يستمع إليّ أقرأ له من القرآن بصوت منغم، وكنت أعرف من وجه جدي أنه أيضاً كان يطرب له. سألته ذات يوم عن جارنا مسعود. قلت لجدي: (أظنك لا تحب جارنا مسعود؟) فأجاب بعد أن حك طرف أنفه بسبابته: (لأنه رجل خامل وأنا لا أحب الرجل الخامل). قلت له: (وما الرجل الخامل؟) فأطرق جدي برهة ثم قال لي: (انظر إلى هذا الحقل الواسع. ألا تراه يمتد من طرف الصحراء إلى حافة النيل مائة فدان؟ هذا النخل الكثير هل تراه؟ وهذا الشجر؟ سنط وطلح وسيال. كل هذا كان حلالاً بارداً لمسعود، ورثه عن أبيه). وانتهزت الصمت الذي نزل على جدي، فحولت نظري عن لحيته وأدرته في الأرض الواسعة التي حددها لي بكلماته. (لست أبالي مَن يملك هذا النخل ولا ذلك الشجر ولا هذه الأرض السوداء المشققة. كل ما أعرفه أنها مسرح أحلامي ومرتع ساعات فراغي). بدأ جدي يواصل الحديث: (نعم يا بنيّ. كانت كلها قبل أربعين عاماً ملكاً لمسعود. ثلثاها الآن لي أنا). كانت هذه حقيقة مثيرة بالنسبة لي، فقد كنت أحسب الأرض ملكاً لجدي منذ خلق الله الأرض. (ولم أكن أملك فداناً واحداً حين وطئت قدماي هذا البلد. وكان مسعود يملك كل هذا الخير. ولكن الحال انقلب الآن، وأظنني قبل أن يتوفاني الله سأشتري الثلث الباقي أيضاً). لست أدري لماذا أحسست بخوف من كلمات جدي. وشعرت بالعطف على جارنا مسعود. ليت جدي لا يفعل! وتذكرت غناء مسعود وصوته الجميل وضحكته القوية التي تشبه صوت الماء المدلوق. جدي لم يكن يضحك أبداً. وسألت جدي لماذا باع مسعود أرضه؟ (النساء). وشعرت من نطق جدي للكلمة أن (النساء) شيء فظي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb