ضيف الحلقة: الروائي إبراهيم الكوني (الجزء الثاني)
أحمد علي الزين: الآن هنا في سفوح جبال الألب، يقلب الهضاب ليكشف المدى، والمدى أبعد مما تراه العين، وهناك قائم في الأبدية الصحراوية الساكنة في وجدانه والمتعاقبة في ذاكرة السلالة الشقية الباحثة عن الحقيقة، وهذا هو.. هذا هو في مراحل المخاضات ما بين واحاته المعرفية، ولكن هذه الصور أو الوجوه التي كانها يوماً ليست تماماً هو الآن، هي للدنيوي الشغوف للكشف المؤجل الذي اختبر أحوال النفس والشهوات ما بين مرابع الطفولة في الصحراء وبلاد الثلج في موسكو حيث أمضى سنوات سبع في معهد فوركي للدراسة والبحث وتعلم اللغات، اختبر الحياة وخاض تجارب الرحالة تجارب الشرود، ثم بحث عن استقرار يريحه فتزوج وأنجب وألّف أبناءً وألف أصدقاءً وألف حياةً ظن بها راحة تخفف من عبء الغامض الذي يضنيه ولكن كان يرنّ دائماً في البال صدى جرس بعيد.. بعيد يناديه لخروج آخر من واحات الدنيا إلى واحات أخرى مجهولة ففعل.. فعل مرّن النفس على قسوة أكثر قسوة من التيه في الصحراء، واختار العزلة التامة لمدة عشرين سنة ليس لغاية العزلة بل لغاية سبر أغوار النفس والعقل ومن أجل الكشف عن سره، فإلى أين وصل هذا الصحراوي؟ وهل عثر على حقيقة ما؟

العزلة لسبر أغوار النفس
إبراهيم الكوني: الشيء الوحيد الذي يجب.. الذي نستطيع أو حتى يجب أن نضحي فيه بالحياة دون أن نندم هو الحقيقة، لم أندم لأني سفحت من عمري عشرين عاماً أو ربع قرن اعتزالاً..
أحمد علي الزين: ولم تزل.
إبراهيم الكوني: ولم أزل في واقع الأمر إنما هنالك..
أحمد علي الزين: ولكن بمقدار أخف.
إبراهيم الكوني: بمقدار أقل ربما، ولكن التجربة تستحق.. التجربة تستحق.
أحمد علي الزين: يعني أنت خلال تلك التجربة انقطعت عن كل ملذات الحياة؟
إبراهيم الكوني: يقيناً.
أحمد علي الزين: حتى عن المرأة.
إبراهيم الكوني: يقيناً..
أحمد علي الزين: وماذا كان التعويض عن كل ذلك..
إبراهيم الكوني: لذة الحكيم في اللالذة، لذة الباحث عن الحقيقة في نفي اللذة.
أحمد علي الزين: ويشعر بالنشوة كما..
إبراهيم الكوني: يقيناً، هذا يسمونه الوجد.
أحمد علي الزين: إذاً يعني في هذا المنفى في تلك العزلة مارست طقوس التصوف: العزلة والتأمل، لا بد أنك وصلت لشيء، إلى أين وصلت؟
إبراهيم الكوني: وصلت إلى ما يجب أن أصل إليه.
أحمد علي الزين: هل هو سر؟
إبراهيم الكوني: دائماً سر.. دائماً سر، ما نقوله دائماً ليس هو ما نريد أن نقوله حتى لو حدّثتك عنه فلن أستطيع أن أعبر لك عنه، لذا..
أحمد علي الزين: لعجز اللغة؟
إبراهيم الكوني: لعجز اللغة أو لاستعصاء الرمز لاستعصاء المبدأ.
أحمد علي الزين: يعني كلما اتسع الأفق.

كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة
إبراهيم الكوني: كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، يقيناً.
أحمد علي الزين: يعني أنت ترى الذي وصلت إليه ولمسته ولكنك لا تستطيع التعبير عنه؟
إبراهيم الكوني: ككل الأشياء العظيمة ككل نص جميل، النص الجميل هو الذي نلتذّ به ولا نستطيع أن نعبّر عن لذّتنا به، لا نستطيع أن نعبّر عنه.. النص المقروء، عندما نقرأ نصاً جميلاً التغميض..
أحمد علي الزين: ربما النص الجميل لم يُكتب بعد.
إبراهيم الكوني: يقيناً، نتأمل أن يُكتب يوماً.
أحمد علي الزين: لا بد من أسباب، أسباب دنيوية أسباب وضعية دفعتك للقيام بتلك الرحلة داخل النفس وربما داخل الكون وداخل العقل، شو هي الأسباب؟ شو هي الأزمات؟
إبراهيم الكوني:


يكفي أن نقول أنها الدنيا، يكفي أن نقول أنها الدنيا، كل إنسان في هذا الوجود يحن لأن يعتزل، يحن لأن يقابل نفسه في محراب نفسه، كل إنسان يحاول أن يعرف نفسه، تجربة معرفة النفس هي الخطوة الأولى نحو الحقيقة


يكفي أن نقول أنها الدنيا، يكفي أن نقول أنها الدنيا، كل إنسان في هذا الوجود يحن لأن يعتزل، يحن لأن يقابل نفسه في محراب نفسه، كل إنسان يحاول أن يعرف نفسه، تجربة معرفة النفس هي الخطوة الأولى نحو الحقيقة.. ليس الحقيقة فقط ولكن نحو السعادة..
أحمد علي الزين: نحو الحرية.
إبراهيم الكوني: نحو الحرية بالتأكيد، الحرية أنبل شيء في الوجود، الحرية هي الحقيقة، والحقيقة هي الحرية، ولكن أستطيع أن أعود إلى الوراء قليلاً، هذا الهاجس كان في أعماقي منذ الطفولة التي تحدثت أنت عنها منذ قليل، منذ العشر سنوات الأولى منذ وطأت قدميّ أرض الواحة، غامض يقينياً لكن الإحساس بوجود رسالة ما، لم أستطع أن أتحرر منه طوال تلك السنين، حاولت أن أنساه طوال تلك الأعوام حاولت أن أنفيه حاولت أن أتنصل منه ولكنه لم يتنصل هو مني، لذا عندما تقدم العمر قليلاً اكتشفت في مواجهة نفسي أنني لم أفعل شيئاً..
أحمد علي الزين: ألهو.
إبراهيم الكوني: نعم ألهو كما يلهو الكل، اكتشفت أن رحلتي ستتحول إلى باطل الأباطيل إن لم أفعل ما يجب أن أفعله، أنا حاولت أن أنقذ نفسي كما ينقذ المؤمنون أرواحهم بالإيمان.
أحمد علي الزين: أنقذت نفسك بالتأمل والعزلة.
إبراهيم الكوني: بالتأكيد، بالتأكيد.
أحمد علي الزين: للكتابة فقط.
إبراهيم الكوني: ليست للكتابة..
أحمد علي الزين: للبحث عن الحقيقة التي تجلت في الكتابة.
إبراهيم الكوني: بالتأكيد، الإنسان لا بد أن ينشغل بشيء ما، لكي يقول شيئاً ما، لا بد أن نلهو أقصد، لا بد أن تتحول الكتابة أيضاً لهواً.
أحمد علي الزين: ولكن كأنه أنت تنقلت من لهو إلى لهو، اللهو الأول إذا بدنا نسميه لهو كان..
إبراهيم الكوني: لهو دنيوي.
أحمد علي الزين: مجاني..
إبراهيم الكوني: جداً.
أحمد علي الزين: ولم يؤسس لشيء بتقديرك؟
إبراهيم الكوني: بالتأكيد التجربة الدنيوية امتحان في غاية الأهمية لكل باحث عن الحقيقة، لكل صاحب رسالة مهما كانت هذه الرسالة، مهما كانت هذه الرسالة في نظرنا صغيرة، لذا هو الجحيم الذي لا بد منه..
أحمد علي الزين: لا بد من المرور به..
إبراهيم الكوني: الجحيم الذي يجب أن نعبره لكي نبلغ شطآن النعيم.
أحمد علي الزين: ولكن تقول أنه أحياناً الحقيقة هي أيضاً نوع من القصاص أو العقاب.
إبراهيم الكوني: يقيناً.
أحمد علي الزين: يعني ليس من نجاة حتى في الوصول إلى الحقيقة؟
إبراهيم الكوني: يقيناً لا، يقيناً لا، ربما بالعكس الحقيقة قصاص أقسى من التنصل للحقيقة أحياناً، الحقيقة دائماً قصاص.
أحمد علي الزين: طيب تلك العزلة اللي بتعيشها أستاذ إبراهيم ما بتخليك تحس بنوع من الغربة أو من الغربة الكاملة عن الناس؟
إبراهيم الكوني: يقيناً هو.. المأساة هي أن المبدع يغترب بالدنيا، يغترب بالحقيقة عن الدنيا، ويغترب بالدنيا عن الحقيقة، مسألة جدلية ولذا هو يحيا في برزخ بين القطبين، في برزخ بين هذين العالمين القاسيين كلاهما، كلاهما أقسى من الآخر.

السير عندما تضيق الحياة
أحمد علي الزين: يعني فينا نقول: أنت طبّقت شيء من قول النفري: إذا ضاقت بك الدنيا سر..
إبراهيم الكوني: سر.. سر.. نعم، الرحيل بالتأكيد، مدلول الرحيل أو مبدأ الرحيل لا يكمن في أعمالي فقط ولكن في حياتي أيضاً، يجب أن ننتقل لا بالروح فقط، يجب أن نتنقل لا بالروح فقط ولكن بالجسد أيضاً.
أحمد علي الزين: يعني إحساسك بتلك الغر
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ